ابراهيم بن عمر البقاعي

465

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما أوجب سبحانه هذا ، رخص لهم في النزول عنه ، فسبب عن ذلك قوله : فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ أي عفا عن القصاص ممن يستحقه سواء كان هو المجروح إن كان باقيا أو وارثه إن كان هالكا فَهُوَ أي التصدق بالقصاص كَفَّارَةٌ لَهُ أي ستارة لذنوب هذا العافي ولم يجعل لهم دية ، إنما هو القصاص أو العفو ، فمن حكم بما أنزل اللّه فأولئك هم المسلمون لانقيادهم في هذا الأمر الصعب لأمر اللّه وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ أي على وجه الاستمرار بِما أَنْزَلَ اللَّهُ أي الذي لا كفوء له فلا أمر لأحد معه لخوف أو رجاء ، أو تدينا بالإعراض عنه سواء حكم بغيره أو لا فَأُولئِكَ أي البعداء عن طريق الاستقامة ، البغضاء إلى أهل الكرامة هُمُ الظَّالِمُونَ * أي الذين تركوا العدل فضّلوا ، فصاروا كمن يمشي في الظلام ، فإن كان تدينا بالترك كان نهاية الظلم وهو الكفر ، وإلا كان عصيانا ، لأن اللّه أحق أن يخشى ويرجى ، روى ابن إسحاق في السيرة في تحاكمهم في الزنا نحو ما تقدم ثم قال : وحدثني داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس رضي اللّه عنهما « أن الآيات من المائدة التي قال اللّه فيها فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ [ المائدة : 42 ] إلى : الْمُقْسِطِينَ إنما نزلت في الدية بين بني النضير وبني قريظة ، وذلك أن قتلى بني النضير وكان لهم شرف - يؤدون الدية كاملة ، وأن بني قريظة كانوا يؤدون نصف الدية ، فتحاكموا في ذلك إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم فأنزل اللّه ذلك فيهم ، فحملهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم على الحق في ذلك فجعل الدية سواء » « 1 » قال ابن إسحاق : فاللّه أعلم أيّ ذلك كان ! وأخرجه النسائي في سننه من طريق ابن إسحاق ، وروي من طريق آخر عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أيضا ، قال : كان قريظة والنضير ، وكان النضير أشرف من قريظة ، وكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به ، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة أدى مائة وسق من تمر ، فلما بعث النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قتل رجل من النضير رجلا من قريظة فقالوا : ادفعوه إلينا نقتله فقالوا : بيننا وبينكم النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فأتوه فنزلت وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ [ المائدة : 42 ] والقسط : النفس بالنفس ، ثم نزلت أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ [ المائدة : 50 ] « 2 » انتهى . وهذا نص ما عندهم من التوراة في القصاص ، قال في السفر الثاني : وكل من

--> ( 1 ) حسن . هذا الحديث أخرجه النسائي في الكبرى 6935 والطبري 11979 وابن إسحاق وابن المنذر والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه كما في الدر المنثور 2 / 282 كلهم من طريق عكرمة عن ابن عباس انظر الطبراني الكبير 11 / ( 11573 ) . ( 2 ) حسن . أخرجه أبو داود 4494 والنسائي في الكبرى 6934 والطبري 11980 كلهم من طريق سماك عن عكرمة عن ابن عباس وإسناده حسن . سماك فيه كلام لكي يجبر الحديث المتقدم .